السيد محسن الأمين
124
أعيان الشيعة ( الملاحق )
تقرير للناذر على شركه إلى آخر ما ذكره من هذا القبيل وقال في موضع آخر من تلك الرسالة « 1 » انه يجب على العلماء بيان ان ذلك الاعتقاد الذي تفرعت عنه النذور والنحائر والطواف بالقبور شرك محرم وانه عين ما كان يفعله المشركون لأصنامهم . ( والجواب ) عن هذا كالجواب عن سابقة من النحر والذبح بان من ينذر لنبي أو ولي أو رجل صالح دراهم أو خلافها لا يقصد الا نذر الصدقة وإهداء ثوابها إلى النبي أو الولي أو الصالح ولا يقصد التقرب اليه بالنذر بل التقرب إلى الله تعالى وكيف يقصد التقرب اليه وهو يعلم أنه ميت لا يمكنه الانتفاع بالمنذور لا بأكله ان كان طعاما ولا بصرفه ان كان نقودا ولا بلبسه ان كان ثيابا ولا بشيء من الانتفاع مهما كان المنذور مع وجوب حمل أفعال المسلمين وأقوالهم على الصحة مهما أمكن وعدم جواز التهجم على الدماء والأموال والأعراض بمجرد الظنون والأوهام كما مر في المقدمات فلا يزيد هذا النذر على من نذر لأبيه وأمه أو حلف أو عاهد ان يتصدق عنهما كما روي عنه ( ص ) أنه قال للبنت التي نذرت لأبيها عملا ( ف ) بنذرك فإن كان النذر للآباء والأمهات كفرا كان هذا كفرا وإلا فلا اختيار بعض الأمكنة للنذر طلبا لشرف المكان حتى يتضاعف ثواب العبادة كما يختار بعض الأزمنة لبعض العبادات لا بأس به بل لا بأس بتخصيص بعض الأمكنة كما يستفاد مما روي عن ثابت بن الضحاك عن النبي ( ص ) ان رجلا سأله انه نذر ان يذبح ببوانة فقال هل كان فيها وثن يعبد قال لا قال فهل كان فيها عيد من أعيادهم فقال لا فقال ف بنذرك ( وفي القاموس ) بوانة كثمامة هضبة وراء ينبع ( وفي النهاية الأثيرية ) في حديث النذر ان رجلا نذر ان ينحر إبلا ببوانة هي بضم ألباء وقيل بفتحها هضبة من وراء ينبع انتهى وكان سؤاله ( ص ) عن انه هل كان فيها وثن يعبد أو عيد من أعياد الجاهلية خشية ان يكون النذر جاريا على عادة أهل الجاهلية لقرب العهد بهم وان كان السائل مسلما فقد قالوا له ( ص ) اجعل لنا ذات أنواط وهم مسلمون وقال أصحاب موسى له حين مروا على قوم يعكفون على الأصنام اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لم [ لَهُمْ ] آلِهَةٌ أو انه إذا كان فيه وثن يعيد أو عيد من أعيادهم يكون النذر مرجوحا فلا ينعقد لأن شرطه الرجحان أو تساوي الطرفين والله اعلم وقد ظهر بذلك بطلان ما قاله ابن تيمية ناقلا له عن علمائهم من عدم جواز النذر للقبر ولا للمجاورين وعده نذر معصية حتى فرط بعضهم فيما نقله عنه فأوجب على الناذر كفارة يمين أما النذر للقبر فلا يفعله أحد بل ولا لصاحب القبر وانما النذر لله والصدقة به عن صاحب القبر بمعنى إهداء ثوابه اليه ولو فرض صدور ما يوهم خلاف ذلك فهو محمول عليه حملا لفعل المسلم على الصحة كما مر واما النذر للمجاورين فان المجاورة عند القبر لا مانع منها شرعا لو لم تكن راجحة طلبا لشرف البقعة التي تشرفت بصاحب القبر وانكار شرف القبر مصادمة للضرورة ويكفي في رده دفن الصحابيين عند النبي ( ص ) حتى عد ذلك منقبة عظيمة لهما ومنع بني أمية وبعض أمهات المؤمنين من دفن الحسن عند جده قائلين أيدفن عثمان في أقصى البقيع ويدفن الحسن عند جده وإصرار بني هاشم على ذلك حتى كاد يؤدي إلى إراقة الدماء كما سنبينه في 124 غير هذا الموضع والمجاورون عند القبر عباد الله يجوز التصدق عليهم كالصدق على غيرهم إن لم يكن أولى ولم يخرجوا بمجاورتهم عن استحقاق الصدقة وليست المجاورة عند القبر عبادة له حتى تكون محرمة لما بيناه مرارا من أنه ليس كل تعظيم واحترام عبادة وقياس ابن تيمية ذلك فيما مر من كلامه في الفصل الثاني على ما ذكروه من أن ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا أسماء قوم صالحين من قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم طال عليهم الأمد فاتخذوا تماثيلهم أصناما قياس فاسد فان أولئك صوروا صورهم في المساجد وكانوا يصلون إليها ثم اتخذوها أوثانا وعبدوها فسبب عبادتهم لها تصوريهم [ تصويرهم ] تلك الصور وصلاتهم إليها لا احترام قبورهم وليس في المسلمين من يفعل مثل فعلهم ومجرد احتمال ان يؤدي الشيء إلى محرم لا يوجب تحريمه والا لم يبق في الدنيا حلال . كما ظهر بذلك بطلان ما هول به اليماني في أمر النذر فجعل اخذه حراما وتقريرا للمشرك على شركه وقد عرفت بما ذكرنا صحة النذر وانه لا يزيد عن نذر الصدقة عن الميت الثابت جوازه ورجحانه وانه لا يحرم أخذه وانه ليس فيه شيء من الشرك حتى يكون اخذه تقريرا للشرك وان النفع حاصل به وهو الثواب منه تعالى والضرر يندفع به كما يندفع بالصدقة إذ هو لا يخرج عنها ( أما الحديث ) الذي استشهد به فمع فرض سلامه سنده وان قال صاحب المنار في الحاشية انه متفق عليه من حديث ابن عمر يجب طرحه لمخالفته العقل والنقل فمن نذر ان يتصدق بمال أو ينفقه في سبيل الله أو نحو ذلك فقد اتى له نذره بخير الدنيا والآخرة ودفع عنه الله به ضرر الدنيا والآخرة فلا يمكن ان يحكم ( ص ) بأنه لا يأتي بخير . الفصل التاسع في بناء القبور والبناء عليها وتجصيصها وعقد القباب ( فوقها وعمل الصندوق والخلعة لها ) وهذا مما حرمه الوهابية وأوجبوا هدم القبور والقباب التي عليها والبناء الذي حولها بل جعلوا ذلك شركا وكفرا ( وصرح ) الصنعاني في تطهير الاعتقاد بان المشهد بمنزلة الوثن والصنم في كلامه المتقدم في الباب الثاني بقوله : ان ما كانت تفعله الجاهلية لما يسمونه وثنا وصنما هو الذي يفعله القبوريون لما يسمونه وليا وقبرا ومشهدا وذلك لا يخرجه عن اسم الوثن والصنم إلخ ( وصرح ) بذلك الوهابيون في كتابهم إلى شيخ الركب المغربي المتقدم هناك بقولهم : ان ما حدث من تعظيم قبور الأنبياء وغيرهم ببناء القباب عليها وغير ذلك من حوادث الأمور التي أخبر عنها النبي ( ص ) بقوله لا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين وحتى يعبد فئام من أمتي الأوثان ( وزعم ) الوهابيون ان البناء على القبور بدعة حدثت بعد عصر التابعين ( وقال ) قاضي قضاتهم عبد الله بن سليمان بن بليهد في مقالته التي نشرتها جريدة أم القرى في عدد جمادى الثانية سنة 1345 لم نسمع في خير القرون ان هذه البدعة حدثت فيها بل بعد القرون الخمسة انتهى ( واتبع الوهابية ) في ذلك قدوتهم وبآذر بذور مذهبهم أحمد بن تيمية وتلميذه ابن القيم الجوزية الذي عنه أخذ وبه اقتدى ( قال ) ابن القيم على ما حكي عنه في
--> ( 1 ) صفحة 12 .